أبو الليث السمرقندي
106
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
فقال عز وجل : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً يعني : المطر فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها من الثمار الأحمر ، والأصفر ، والحلو ، والحامض وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ يعني : خلق من الجبال جددا يعني : جماعة الجدة . والجدة هي الطريق التي في الجبل والجدد هي الطرائق . فترى الطريق من البعد منها أبيض ، وبعضها حمر . وقال القتبي : الجدد الخطوط والطرق تكون في الجبال ، فبعضها بيض وبعضها حمر ، وبعضها غرابيب سود ، وهو جمع غربيب وهو الشديد السواد . ويقال : أسود غربيب وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ يعني : خلق من الناس والدواب وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ أي : كاختلاف الثمرات . ثم استأنف فقال : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ وقال بعضهم : إنما يتم الكلام عند قوله : مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ . ثم استأنف فقال : كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ يعني : هكذا يخشى اللّه من عباده العلماء . يعني : إن العلماء يعلمون خلق اللّه تعالى ويتفكرون في خلقه ، ويعملون ثوابه وعقابه فيخشونه ، ويعلمون بالطاعة طمعا لثوابه ، ويمتنعون عن المعاصي خشية عقابه . وقال مقاتل : أشد الناس خشية أعلمهم باللّه تعالى . فيها تقديم . وروى سفيان عن بعض المشيخة ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه سئل : يا رسول اللّه أينا أعلم ؟ فقال : « أخشاكم للّه تعالى إنّما يخشى اللّه من عباده العلماء » قالوا : يا رسول اللّه فأيّ الأصحاب أفضل ؟ قال : « الذي إذا ذكرت أعانك ، وإذا نسيت ذكّرك » . قالوا : فأي الأصحاب شر ؟ قال : « الّذي إذا ذكرت لم يعنك ، وإذا أنسيت لم يذكّرك » . قالوا : فأيّ الناس شر ؟ قال : « اللّهمّ اغفر للعلماء . والعالم إذا فسد فسد النّاس » . ثم قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ في ملكه غَفُورٌ لمن تاب . قوله عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ يعني : يقرءون القرآن . ويقال : معناه يتبعون كتاب اللّه تعالى . يقال : تلا يتلوا إذا تبعه كقوله تعالى : وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها ( 2 ) [ الشمس : 2 ] وَأَقامُوا الصَّلاةَ يعني : أتموا الصلوات في مواقيتها وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ يعني : تصدقوا مما أعطيناهم من الأموال سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ يعني : لن تهلك ولن تخسر . ومعناه : يَرْجُونَ تِجارَةً رابحة وهي الجنة مكان الحياة الدنيا . ثم قال عز وجل : لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ يعني : يوفر ثواب أعمالهم وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ يعني : من رزقه من الجزاء ، والثواب في الجنة . ويقال : مِنْ فَضْلِهِ يعني : من تفضله إِنَّهُ غَفُورٌ لذنوبهم شَكُورٌ لأعمالهم اليسيرة . والشكر على ثلاثة أوجه . الشكر ممن يكون دونه الطاعة لأمره وترك مخالفته . والشكر ممن هو شكله يكون الجزاء والمكافأة . والشكر ممن فوقه يكون رضى منه باليسير .